تاريخ، سيارات لا تنسى

إيه سي كوبرا

في هذا القسم، نفتح تحقيقاً شهرياً نستكشف من خلاله سيارات لا تنسى تحولت من مجرّد مشاريع تطويرية إلى أيقونات وأساطير بشهرة عالمية حققتها لأسبابٍ عديدة سواء كان لتصميمها الفريد أو لتقنياتها أو لندرتها أو لقوتها وأداءها الخارقين أو لتأثيرها على الصناعة بطريقةٍ معينة. ونبدأ الحلقة الأولى من رحلتنا التاريخية مع ما يمكن اعتباره أول سيارة عضلات (ماصل كار) وهي إيه سي كوبرا والتي ظهرت بضربة حظ.

سيارة إنجليزية بقلب أميركي

ظهور كوبرا كان في بداية عقد الستينات الماضي حين قاد الأميركي كارول شيلبي، والذي كان أنذاك سائق سباقات شهير قبل أن يدخل لاحقاً مجال صناعة السيارات وتعديلها، سيارة إيه سي إيس الإنجليزية كانت مزودة بمحرك فورد ست أسطوانات سعة ٢.٦ ليتر. شيلبي أعجب بالسيارة لكنه وجد أن محركها متدني القوة وهي قادرة على التعامل مع طاقة أعلى بكثير مما يقدمه محركها القياسي، فأرسل رسالة إلى شركة إيه سي مستفسراً عن إمكانية تزويد السيارة بمحرك ٨ أسطوانات. إيه سي وافقت بشرط أن يقوم شيلبي بتوفير المحرك فقام بالإتصال بشركة شڤروليه ليحصل على إحدى محركات كورڤت الكبيرة. شڤروليه رفضت العرض حيث لربما رأت أن السيارة التي ينوي شيلبي صنعها قد تنافس كورڤت. بعدها ذهب شيلبي إلى فورد والتي صودف أنها كانت قد طورت أنذاك محرك ٨ أسطوانات جديد كلياً سعة ٤.٣ ليتر يحمل إسم وندسور وقبلت عرض شيلبي وقامت بالطلب من فرعها في إنجلترا بتسليم محرك إلى إلى إيه سي في إنجلترا والثاني ذهب إلى مشغله في لوس أنجليس حيث تمّ تزويدهما في سيارة إيس وهي مسألة كانت سهلة نسبياً لأن إيه سي طورت إيس لتتسع لمحرك ٨ أسطوانات أيضاً.

ولادة الكوبرا وفوز في ناسكار

بعد بعض التعديلات والإختبارات لضمان الجودة، أطلق شيلبي سيارته العتيدة في عام ١٩٦٣ والتي أطلق عليها إسم كوبرا ولاقت رواجاً كبيراً وبسرعة. في أول مرحلة، أنتج شيلبي من السيارة ٧٥ وحدة بمحرك الـ ٤.٣ ليتر تلاها بـ ٥١ سيارة بمحرك أكبر بسعة ٤.٧ ليتر وبحلول عام ١٩٦٥ كان قد أنتج من كوبرا ٥٢٨ سيارة. شيلبي الذي أراد التسابق بكوبرا منذ البداية جاءته الفرصة في عام ١٩٦٣ حين شارك في بطولة ناسكار وتغلب على كلٍ من كورڤت وجاكوار وبورش ومازيراتي مسجلاً أول انتصار تاريخي لسيارته التي قدمها قبل بضعة أشهر فقط. وفي سعيه الدائم إلى جعل سيارته أقوى وأسرع، قام كارول في عام ١٩٦٤ باختبار حيث زود السيارة بمحرك فورد ڤي ٨ سعة ٦.٤ ليتر إلا أنه لم يدخل الإنتاج.

وترتبط كوبرا بخرافة تتعلّق بقوانين السرعة المفروضة في اللملكة المتحدة. ففي عام ١٩٦٤، قاد سائق السباقات الإنجليزي جاك سيرز سيارة كوبرا بسرعة ٢٩٩ كلم على طريق أم ١ الشهيرة لاختبار ثباتها قبل مشاركته سباق لومان على متنها، حيث يقال أن الحكومة البريطانية قررت بعدما عرفت بهذا الاختبار بتحديد السرعة القصوى على طرقاتها بـ ١١٢ كلم فقط. وقد ذكرت الحكومة البريطانية أنذاك أنها كانت ستخفض السرعة لخفض وفيات حوادث السرعة سواءً حصل هذا الإختبار أو لم يحصل.  

مارك ٣

كان على شيلبي إنتظار عام ١٩٦٥ حين تمّ تقديم النسخة المحسنة الثالثة من كوبرا والتي تعرف بإسم مارك ٣ والتي طورها شيلبي هذه المرة بالتعاون مع فورد. كانت خطة هذا الطراز تقضي بتوفيرها بمحرك ڤي ٨ جديد كلياً طورته فورد للسباقات تبلغ سعته ٧ ليترات يولّد ٤٢٥ حصاناً للنسخة السياحية أو بقوة ٤٨٥ حصاناً للطراز السباقي مع سرعة قصوى ملفتة جداً تبلغ ٢٦٢ و٢٩٨ كلم على التوالي. وبالرغم من كل مزاياه، فشل طراز مارك ٣ على صعيد المبيعات حيث قامت فورد وفي ربع الساعة الأخيرة باستبدال هذا المحرك بواحد معدّ للإنتاج السياحي الصرف بسعة ٧.١ ليتر خيّب أمال الزبائن. وللتخلّص من أخر كمية إنتاج مارك ٣ والبالغة ٣١ سيارة، قام شيلبي بخفض قوة المحرك وزودها بواجهة زجاجية أمامية وباعها تحت إسم أس/سي أو سيمي كومبتيشن لم يعرف كارول أنها ستصبح لاحقاً تحف نادرة يبلغ سعر الواحدة منها اليوم أكثر من مليون ونصف دولار. 

نهاية إيه سي وبداية أخرى

وبالرغم من شهرة كوبرا وانتصاراتها السباقية، إلا أنها كانت في الإجمال مشروعاً مالياً فاشلاً كلفت الكثير للتطوير وشحن المحركات بين أميركا وإنجلترا وتنقّل التقنيين والفنيين بين القارتين. ففي عام ١٩٦٧ توقف شيلبي عن استيراد هياكل إيه سي من إنجلترا وبدأ بصنع الهياكل في مصنعه في أميركا، أما شركة إيه سي فقد استمرت بصنع السيارة بمحركي فورد سعة ٤.٧ و٧.١ ليتر وصولاً إلى عام ١٩٨٤ حين أعلنت إفلاسها وأقفلت أبوابها. لكن شهرة كوبرا واحتمالاتها التسويقية لم تكن لتختفي بسهولة، فقد قامت شركة أوتوكرافت والتي كانت إحدى موزعي قطع غيار السيارة بشراء إيه سي وبدأت بإنتاج كوبرا مجدداً تحت إسم أوتوكرافت مارك ٤ زودتها بمحرك فورد جديد وحديث بسعة ٤.٩ ليتر بقوة ٢٥٠ حصاناً أمن للسيارة السوبر خفيفة تسارع إلى مئة كلم في ٥.٢ ثوان وسرعة قصوى ٢١٥ كلم.

طرازات جديدة بتقنيات متطورة

في عام ١٩٩٦، عرفت أوتوكرافت تغييراً في إدارتها وفي طريقة تطويرها للكوبرا. ففي عام ١٩٩٧، تمّ تقديم طرازين جديدين الأول بجسم ألومنيوم ومحرك فورد ڤي ٨ زود بسوبرشارجر بقوة ٣٢٠ حصاناً، والثاني بجسم كربون لكن بمحرك صغير بقوة ٢٢٥ حصاناً. الشركة استمرت بتقديم التقنيات الحديثة حيث قامت في عام ٢٠٠٠ بصنع نسختين فقط تحت إسم ٢١٢ زودتا بمحرك لوتس ڤي ٨ بتوربومزدوج بقوة ٣٥٠ حصاناً يعتبران اليوم تحف نادرة جداً. عام ٢٠٠٦ شهد إغلاق مصنع أوتوكرافت في إنجلترا وإنشاء مصنع جديد في جزيرة مالطا إستمر لفترة قصيرة أنتج خلالها ثلاث سيارات فقط بجسم كربون ومحرك فورد ڤي ٨ خمس ليترات.

نهاية بعد ٤٧ عاماً

في عام ٢٠٠٩، بدأت شركة غل ونج الألمانية بإنتاج كوبرا بأبواب غل ونج التي تفتح إلى أعلى بترخيص من مالك حقوق كوبرا أنذاك وهو ألن لوبنسكي لكن الإنتاج توقف بعد صنع بضعة نسخ فقط، ولتختفي كوبرا الأصلية وتنتهي مسيرة عمرها ٤٧ عاماً وضعتها في مصاف السيارات الأسطورية. وتستمر أسطورة كوبرا اليوم من خلال نوادي مالكيها المنتشرة في كافة قارات العالم، إلى جانب عدد كبير من الشركات التي تنتج نسخ مقلدة منها وبمستويات مختلفة من الجودة وحسب ميزانية كل زبون.  

Hist-Cob-Caption-1.jpgCob1.jpgHist-Cob-Caption-2.jpgCob5.jpgCobra-1.jpgCob4.jpg

كلام الصور

١ كارول شيلبي (١٩٢٣ ـ ٢٠١٢) أمام أولى سيارات كوبرا التي صنعها في مشغله في مدينة لوس أنجيليس.

٢ على مدى مشوارها الطويل، توفرت كوبرا بمحركات كثيرة ومتنوعة معظمها وأشهرها كان من ثماني أسطوانات طبعاً وكلها من إنتاج فورد اشتهرت السيارة بمحرك السبع ليترات الذي توفر لها في عام ١٩٦٥.