إطلاق عالمي

رولز ـ رويس رايث

مع سيارتها رايث الجديدة، تنوي رولز ـ رويس إصابة عدة أهداف بحجرٍ واحد وهي توسيع مجموعتها الحالية بطراز ثالث ينضم إلى عائلتي سيارتيها غوست وڤانتوم، وزيادة حجم إنتاجها السنوي بحوالي ثلاثين في المئة، وأخيراً تقديم سيارة جريئة ومبتكرة بتصميمها لا تنتقص من شهرتها كشركة بريطانية محافظة وكلاسيكية.   

غوست كوبيه

عندما أعلنت رولز ـ رويس أنها ستقدّم سيارة جديدة كلياً في معرض جنيڤ ٢٠١٢ ذكرت حرفياً «أن العالم سيتوقف عن الدوران لحظة كشف الستار عنها». وما حصل هو أن السيارة قُدمت وكانت كوبيه كبيرة بتصميم فاست باك لم توقف العالم عن الدوران، إلا أنها وفرت لشركتها المزيد من المجد والشهرة بسيارة جريئة ومبتكرة من شركة تشتهر على الدوام بأنها محافظة وتقليدية. ورايث هي نسخة الكوبيه من سيارة غوست تحلّ تسويقياً فوق شقيقتها غوست لكن أسفل عائلة سيارة ڤانتوم بسعر يكون في وسط هذه التركيبة.

ونشير هنا إلى أن إسم رايث هو معنى أخر للشبح أو ظهور روحاني لشخص شبيه بشخص توفى. على صعيد المنافسة، يمكن اعتبار سيارتي بنتلي كونتيننتال جي تي سبيد ومرسيدس «سي أل ٦٥».

سعر منافس

وتتوقع رولز ـ رويس أن تساهم رايث برفع إنتاجها السنوي والذي يبلغ حالياً أكثر بقليل من ٣٥٠٠ سيارة إلى ٤٥٠٠ سيارة أو حتى أكثر في حال كان الطلب على السيارة كبيراً كما يتوقع. وسعر رايث منافس نوعاً ما يبدأ من حوالي ٣٠٠ ألف دولار أي حوالي ١.١ مليون ريال/درهم يمكن رفعه بفارق مئة ألف دولار دفعةً واحدة (٣٦٥ ألف ريال/درهم) من خلال التجهيزات الإضافية الكثيرة التي تتوفر للسيارة.

فاست باك

رايث ليست كوبيه تقليدية مثل شقيقتها فانتوم الكوبيه حيث أنها من نوع الفاست باك كما تصفها شركتها بسقف طويل يتحرك نزولاً باتجاه المؤخرة ليشكّل مع الواجهة الزجاجية الخلفية شكلاً يشبه الهاتشباك. والواجهة الزجاجية الخلفية ليست مستقيمة بل منحنية إلى الأمام كثيراً وبزاوية ٤٥ درجة تعطي السيارة فكرة الفاست باك التاريخية الشهيرة.

ويمكن طلب رايث بلون خارجي واحد أو لونين مختلفين، يغطي الأول السقف وقضبانه وغطاء المحرك في حين يغطي اللون الثاني القسم السفلي من الجسم. وبعدما شاهدت رايث لعشرات المرات وتفحصتها عن قرب، ما زلت غير واثق من مدى جماليتها وقوة اقتناعي بها وبفكرتها حيث بدت لي غريبة الشكل بعض الشيء لسيارة تحمل إسم رولز ـ رويس الذي يعني تقاليد تصميمية صارمة. وقرار تطوير رايث جاء، وحسب ما ذكره لنا مسؤولي الشركة الذين التقيناهم أثناء إطلاق السيارة في النمسا، كان برغبة رولز ـ رويس في ضخّ المزيد من الشباب والتميّز في عروقها لتتناسب مع متغيرات عصرنا الحالي وتطعيمها بسيارات مبتكرة ومعاصرة. كما ويبدو أن رولز ـ رويس تتعامل مع عائلة غوست بطريقة مختلفة وجريئة أكثر من عائلة سيارة فانتوم والتي تتعامل معها كسيارة راقية وفاخرة وأستقراطية بطرازات مقبولة تاريخياً.

فولاذ ووزن معقول

مثل شقيقتها غوست، رايث مصنوعة من الفولاذ (عائلة فانتوم مصنوعة من الألومنيوم) تمّ تثبيت أجزاء هيكلها بأكثر من ستة ألاف نقطة تلحيم عادية و٩٠٠ نقطة تلحيم بالليزر لصلابة استثنائية. ويضمّ هيكل رايث جدار مزدوج بين مقصورة المحرك ومقصورة الركاب وذلك لمنع معظم الضجيج الميكانيكي من دخول المقصورة. ويبلغ وزن رايث ٢٣٦٠ كلغ هو نفسه لغوست وهي أثقل من بنتلي كونتيننتال (٢٣٢٠ كلغ) بفارق ٤٠ كلغ، وأثقل من مرسيدس سي أل (٢٢٤٥ كلغ) بفارق ١١٠ كلغ. بالحجم، رايث أصغر من غوست وبفارقٍ كبير بالرغم من أنها لا تبدو كذلك إطلاقاً. فقاعدة عجلاتها (٣١١٢ ملم) أصغر من قاعدة غوست (٣٢٩٥ ملم) بفارق ١٨٣ ملم دفعةً واحدة، كما أن طولها الخارجي (٥٢٦٩ ملم) أصغر من طول غوست (٥٣٩٩ ملم) بفارق ١٣٠ ملم. ورايث أطول بقاعدة العجلات والطول الخارجي من بنتلي ومرسيدس.

مقصورة بأعلى مستوى

كما هو متوقع، مقصورة رايث سوبر مترفة مؤثثة بأعلى المواد الطبيعية جودةً ونوعيةً من جلد وخشب وكروم وصوف خراف طبيعي للسجاد. لكننا تمنينا لو تمّ تصميم لوحة قيادة جديدة ولو مختلفة قليلاً عن اللوحة التي تشبه لوحة غوست كثيراً، بالرغم من أن بعض أجزاءها مختلفة وجديدة كما قيل لنا. وإلى جانب كافة تجهيزات الراحة والفخامة المتوقعة مثل أبواب شفط تغلق بلمسة زر، ونظام عرض مركزي وملاحة يعمل بالصوت، ونظام موسيقى راقٍ بقوة ١٣٠٠ واط و١٨ مكبر صوت ومقاعد كهربائية ومدفأة ومبردة، تضمّ رايث أيضاً نظام عرض رأسي للمعلومات على الزجاج الأمامي، وإنترنت بخدمات تحويل «كلام إلى كتابة» أو «كلام إلى بريد إلكتروني». تجهيزات السلامة متطورة جداً جديدها نظام كبح متطور يحمل إسم «أي برايك ٦» يستسقي بياناته من نظام راداري وكاميرات لمساعدة السائق على التوقف بسرعة وفعالية في حالات الخطر، حيث يضمن وقف السيارة في أقصر مسافات ممكنة من خلال إبقاء مضخة الكبح في أعلى طاقتها باستمرار. وتضمّ رايث أيضاً جيل جديد من نظام نايت ڤيجن للرؤية الليلية، وكروز كنترول متكيّف، ومصباح تحذير خلفي ثوري كما تصفه الشركة يعمل بلمبات أل إي دي، ونظام «توب ڤيو كاميراز» وهو عبارة عن مجموعة كاميرات رقمية موجودة في السيارة تعرض صورة شاملة وبيانية للسيارة عند المناورة بها في أماكن ضيقة، ونظام لطلب الإنقاذ أوتوماتيكياً.

رولز ـ رويس كونكت أبس

وتنفرد رايث بنظام جديد يمكن للسائق إنزال وتحميل خريطة ملاحة على هاتفه المحمول حتى وهو بعيد عن سيارته، ومن ثمّ يقوم بإرسال الخريطة إلى السيارة عبر نظام البلووتوث ليتمّ تحميل الخريطة على نظام الملاحة الرئيسي ومن ثمّ عرضها أثناء القيادة وذلك خفضاً للوقت. 

أقوى وأسرع رولز ـ رويس في التاريخ

تقنياً، تستعمل رايث نفس محرك غوست وهو من ١٢ أسطوانة توربو مزدوج بسعة ٦.٦ ليتر تمّ زيادة طاقته إلى ٦٢٤ حصاناً و٨٠٠ نيوتن متر وذلك من ٥٦٣ حصاناً و٧٨٠ نيوتن متر لغوست، تؤكّد رولز ـ رويس أنها أقوى سيارة صنعتها في تاريخها لغاية اليوم. ورايث أقوى بالطاقة الحصانية من محرك بنتلي كونتيننتال الذي يولّد ٦١٦ حصاناً مع نفس العزم. ويتفوّق هنا محرك مرسيدس «سي أل ٦٥» بطاقته البالغة ٦٣٠ حصاناً وألف نيوتن متر. وتصل رايث إلى سرعة مئة كلم في ٤.٦ ثوان (٤.٩ ثوان لغوست) وهي أبطأ من بنتلي (٤.٢ ثوان) ومرسيدس (٤.٤ ثوان) معاً. والسرعة القصوى محددة إلكترونياً بـ ٢٥٠ كلم مثلها مثل غوست ومرسيدس، باستثناء بنتلي التي تصل إلى سرعة ٣٣٠ كلم. ورايث هي الأكثر إقتصاديةً للوقود بين منافساتها حيث تستهلك ١٤ ليتر لكل مئة كلم مقابل ١٤.٥ ليتراً لبنتلي و١٤.٣ ليتراً لمرسيدس.

ساتيلايت إيدد ترانسمشن

ومن تجهيزات رايث الجديدة والأولى على مستوى العالم نظام يحمل إسم «ساتيلايت إيدد ترانسمشن» والذي يربط علبة التروس (أوتوماتيكية ثماني نسب) بنظام الملاحة. وتذكر رولز ـ رويس أن النظام قادر على رؤية أبعد بكثير مما يراه السائق ويعرف موقع السيارة ويقوم بتبديل النسب اعتماداً على موقع رايث وأسلوب القيادة. فإذا وجد النظام أن السيارة متجهة للدخول في طريق سريعة وكبيرة (أوتوستراد)، يجعل العلبة تبدّل نسبة أو أكثر نزولاً لاختيار نسبة كبيرة تساعد السائق على دخول الطريق بزخم أكبر. كما أن النظام يقوم بنفس العملية وقبل وصول السيارة إلى منعطفٍ حاد ليساعد السائق على الإنعطاف بسرعة ووقتٍ أقل من دون الحاجة إلى استعمال المكابح كثيراً.

تعديلات تقنية بسيطة

تستعمل رايث نفس تعليق شقيقتها غوست بشعب مزدوجة في الأمام ووصلات متعددة في الخلف، لكن بهدف منح رايث طابعاً رياضياً أكبر تمّ زيادة عرض محورها الخلفي بفارق ٢٤ ملم وخفض خلوصها بفارق ٥٠ ملم. وتضمّ رايث تعليق هوائي إلكتروني متغيّر قادر على تغيير خلوصها ونبض التعليق (وفي وقت ٢.٥ جزء من الثانية) اعتماداً على سرعتها مع خاصية التوازن التلقائي ليحافظ على خلوصها بغضّ النظر عن حمولتها من الركاب والأمتعة بوضعيات أقسى بقليل عموماً من وضعيات غوست.

أكثر إقناعاً من غوست، لكن

مع طاقة أعلى ووزن مماثل لشقيقتها غوست، كانت رايث بدون أي شكّ سيارة رشيقة وسريعة. فعلى الأوتوسترادات التي أخرجتنا من ڤيينا، كانت رايث تشبّ إلى الأمام بكل عنفوان مع كل ضغطة على دواسة الوقود. فقد قامت رولز ـ رويس بالشيء الصحيح بتطويرها لمحرك الڤي ١٢ توربومزدوج الذي ظهر أول مرة في غوست لأن رايث بحاجة إليه. فبالرغم من وزن رايث الثقيل والذي يزيد عن ٢.٣ طن، فإن التسارع أمر سيثير العجب في نفس أي شخص خاصةً وأنه يماثل قدرة سيارة رياضية صرفة وهذا من سيدان كبيرة وضخمة حيث تصل إلى سرعة مئة كلم في ٤.٦ ثوان وتقطع الأربعمائة متر في ١٣ ثانية. ويتمتع المحرك بمخزون هائل من الطاقة بدا لي أنه لن ينضبّ أبداً. وبعد الإنطلاق، يستمر هذا المحرك في توفير السيارة بسرعات غير منطقية وصولاً إلى سرعتها القصوى المحددة إلكترونياً بـ ٢٥٠ كلم. والقوة العالية للمحرك ومرونته في توليد عزمه (بدءً من ١٥٠٠ دورة فقط) يعني أن رايث قادرة أيضاً على السباق مع أية سيارة بأرقام تسارع منخفضة جداً أثناء السير. لكنني شعرت أحياناً أن المحرك يجهد ليحمل السيارة على قدميها ويطلقها إلى الأمام.

لكن ما أثار إعجابي في رايث فعلاً لم يكن قدرتها في الإنطلاق وسرعتها، بل الطريقة التي تتمّ بها هذه السرعة وهي هدوء مطبق وراحة فائقة وعزل كامل عن مجهود القيادة. فليس هناك من أية ارتجاجات أو اهتزازات من الهيكل أو أصوات من المحرك أو من الإطارات أو من أي قطعة ميكانيكية من السيارة وكأن رايث ملبسة كلها بالقطن السميك الذي منع وصول أي صوت مهما كان منخفضاً إلى المقصورة ليبقى ركابها في أقصى مستويات الراحة، وهذا فعلاً إحدى أهم مزايا سيارات رولز ـ رويس.

لكن الأمور أخذت منحى مختلف عند أول منعطف. فقد تمّ تنظيم القسم الأكبر من الإختبار على طرق اعتبرتها «غير مناسبة» كثيراً لاختبار سيارة كبيرة وضخمة وثقيلة مثل رايث وهي جبال النمسا المحيطة بالعاصمة ڤيينا. فعند أول منعطف حاد، وجدت أن تعليق رايث طري وليّن أكثر مما رغبت به وهذا مع واقع أن رولز ـ رويس قامت بزيادة قساوة نبض التعليق عن غوست لم أجده كافياً أردته أكثر قساوةً من ذلك خاصةً وأن رايث سيارة كبيرة فعلاً وهي بدت أكبر من حجمها بسبب صغر الطرقات وضيقها، وهذا جعل جسمها ينحني في كل محاولة انعطاف قوية. كما أن المناورة في رايث مسـألة بحاجة إلى عناية وحذر كبيرين وذلك بسبب مراياها الخارجية العملاقة والقادرة على حجب منظر من مفترق طرق أو منعطف حاد وجدت نفسي أوقف السيارة في كل مرة أجد نفسي في هذه الظروف وأرفع جسمي لأرى ماذا يوجد خلف هذه المرايا وأطمئن قبل أن أكمل سيري. وأستغرب كيف مرّت هذه المرايا من «تحت أنف» قسم القيادة أثناء برنامج التطوير.

ورايث ليست من السيارات التي تحب سائقها أن «يرميها فجأةً» في المنعطف، بل يجب دخول المنعطف بطريقة متأنية وهادئة ومن ثمّ التسارع بها مع إبقاء الضغط على دواسة الوقود لأن نزعها فجأةً في وسط المنعطف سيسبب خروج المؤخرة عن مسارها لكن بشكلٍ أمن. وما تفقده رايث من تماسك رياضي كبير، تعوض عنه براحة تعليق مذهلة بتخميد ما زال يثير حيرتي إلى اليوم أودّ فعلاً لو أعرف كيف أنجزه مهندس رولز ـ رويس. فالسيارة تمرّ فوق مطبات السرعة كأنها غير موجودة، بالكاد سيشعر سائقها بأنه مرّ عليها لتوه، سرّ أخر من أسرار رولز ـ رويس التاريخية الشهيرة.

عند قيادتي نزولاً من الجبال باتجاه الأوتوسترادات من جديد، سببت لي رايث الكثير من القلق. ففي كل مرة كنت أريد أن أخفض سرعتي وبغياب نظام تبديل يدوي من علبة التروس اضطررت أن أعتمد على المكابح طوال الوقت مما سبب ارتفاعاً في حرارتها وبدأت تصدر روائح، ووجود وضعية «لو» أو منخفض في مقبض علبة التروس لم تساعد على خفض تسارع رايث كثيراً وبقدر ما أردت فاضطررت وأنا ومرافقي أن نتوقف بالسيارة لبعض الوقت لإراحة المكابح وتبريدها. ورأيي هو أن اعتماد عتلات للتبديل اليدوي كان ليضيف ويزيد على السيارة من دون أن ينتتقص منها شيء. وكلام مسؤولي رولز ـ رويس أن زبائنهم لا يريدون عتلات تبديل يدوي لأنها تناقض مفهوم سياراتهم ليس منطقياً بحيث كان يمكن إخفاء عتلات صغيرة خلف المقود.

بوصولنا إلى وجهتنا الأخيرة وهو الفندق، أعتبر بصدق أن رايث تمثّل كل جوهر رولز ـ رويس وإن بفكرة جديدة. فهي واضحة من الخارج وشكلها مهيب، ومقصورتها سوبر فاخرة، وتقنياتها رائدة ومتكاملة، وهي قوية وسريعة كما يجب أن تكون كل رولز ـ رويس، وهي ناعمة ومريحة وهادئة كما يجب أن تكون كل رولز ـ رويس أيضاً. وأشكّ أن أحداً سيشتري رايث أو أية رولز ـ رويس أخرى ليقودها بسرعة على طرقات جبلية ضيقة ومتعرجة، فهذه مهمة لسيارة مثل أودي أر أس أو بورش. ومجرّد اقتناء سيارة رولز ـ رويس ولأية مهمة هو أمر أكثر من مدهش ورائع.